السيد محمد حسين الطهراني
73
الروح المجرد ( في ذكرى السيد هاشم الموسوى الحداد )
ثمّ أحسست وأنا أتّجه نحوه أنّ الوضوء جاء تلقائيّاً ، فقد مددت يدي إلى الماء بلا اختيار ولا علم ، فغسلت وجهي ثمّ يدي ، ثمّ مسحت المسحين ، فرأيت ذلك الرجل المنهمك في وضوئه يقول لي حالما لمحني : أيّها السيّد ! الماء هو الله ، الوضوء هو الله ؛ لا يخلو من الله مكان ! كيفيّة فناء السيّد الحدّاد في الله وتحيّره في ذات الله وكان السيّد يقول : كنتُ أحسّ أحياناً بخفّة الوزن وفقدان الأثر ، تماماً مثل قشّة من التبن دائرة مع الهواء . وكنت أحسّ أحياناً بالتجرّد من بدني ، تماماً كما تفعل الحيّة حين تبدّل جلدها ، وكنتُ أصبح شيئاً آخر ، ولقد كان بدني وأعماله أشبه بجلد حيّة ، يظهر بشكل كامل كأنّه حيّة واقعيّة يخيّل لمن يراه من بعيد أنّه كذلك ، لكنّه في الحقيقة ليس إلّا جلداً للحيّة . وكان يقول : ولقد تكرّر كثيراً أن أذهب للحمّام ، فأخرج منه وقد ارتديت الدشداشة ( اللباس العربيّ الطويل ) مقلوبة . ويضيف : وكان صاحب الحمّام يقف دوماً خلف الصندوق فيستلم من الواردين نقودهم وودائعهم ، فيسلّمها إليهم عند خروجهم . فذهبت يوماً للحمّام ودفعت نقودي عند دخولي لصاحب الحمّام الواقف خلف صندوقه ، فلمّا خرجت وأردت استرجاع ما استودعته ، كان مساعده يجلس خلف الصندوق فسأل : أيّها السيّد ، كم تبلغ وديعتك ؟ قلت : دينارين ! فقال : لا ، يوجد هنا ثلاثة دنانير فقط ! قلت : لِمَ تؤخّرني ؟ خذ واحداً منها لك وأعطني دينارين لأذهب . فلمّا سمع صاحب الحمّام كلامنا سأل مساعده : ما الأمر ؟ ! قال : هذا السيّد يقول إنّ لديه دينارين ، وهنا ثلاثة دنانير . فقال له : لقد استلمت منه ثلاثة دنانير بنفسي ، هذه الدنانير الثلاثة له ؛ ولا تصغِ أبداً إلى كلام هذا السيّد لأنّه غالباً مضطرب وحاله ليست على ما يُرام !